المناوي
43
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
ومنهم الأجناد الإلهيّون : الذين لهم الغلبة على أعداء اللّه ، قال تعالى : وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [ الصافات : 173 ] ، فأضافهم إليه سبحانه من اسمه الملك ، فهم عبيد الملك حقّا ، فتولّاهم اللّه بالعناية الإلهيّة ، فأضافهم إلى نفسه ، والأعداء الذين في مقابلة هؤلاء الأجناد هم الشّياطين ، والأهواء ، والمصارف المذمومة ، وسلطانهم الهوى ، فيدفعون بخرق العوائد أعداء اللّه . ومنهم الأخيار : قال تعالى : وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ [ ص : 47 ] ، تولّاهم اللّه بالخيرة ، وهي الفاضلة من كلّ شيء ، والفضل يقتضي الزّيادة على ما يقع فيه الاشتراك ممّا لا يشترك فيه من ليس من ذلك الجنس ، فالأخيار كلّ من زاد على الأجناس بأمر لا يوجد في غير جنسه من العلم باللّه على طريق خاصّ لا يحصل إلّا لأهل ذلك الجنس ، ثمّ من هؤلاء ممّن أعطي : لم يعط الإفصاح عمّا علمه ، ومنهم من أعطي الإفصاح ، وهو أخبر ممّن دونه ، وهو المستحقّ لهذا الاسم على الحقيقة ، لحصول الاهتداء به لسامعه . ومنهم الأوّابون : وهم من تولّاهم اللّه بالأوبة في أحوالهم ، فلم يشهد حالهم مع اللّه أحد ، فستر مقامهم عن أحد سواه ، لأنّهم غلبوا الغيبة عنده حتّى لا يكون لهم مشهود غيره . ومنهم المخبتون : وهم الذين تولّاهم بالإخبات ، وهو الطّمأنينة ، والمطمئنّ من الأرض ، فالذين اطمأنّوا باللّه من عباده ، وسكنت نفوسهم إليه ، وتواضعوا تحت اسمه رفيع الدّرجات ، وذلّوا لعزّته ، فأولئك هم المخبتون الذين أمر اللّه نبيّه أن يبشّرهم بقوله : وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [ الحج : 34 ] ، وهم أيضا السّاكنون تحت مجاري الأقدار ، فالمخبتون صنفان . ومنهم المنيبون إلى اللّه : وهم الذين تولّاهم اللّه بالإنابة إليه سبحانه ، الذين رجعوا إلى اللّه من كلّ شيء أمرهم اللّه بالرّجوع عنه مع شهودهم في حالهم أنّهم نوّاب عن اللّه تعالى في رجوعهم ، إذ الرّجوع عن الكشف إنّما هو للّه ، فمن رجع إلى اللّه في كلّ حال من الأحوال يسمّى منيبا . ومنهم المهاجرون : وهم من ترك ما أمره اللّه ورسوله بتركه ، وبالغ في ترك